Go Back   Sudan.Net Discussion Board - SDB - منتدى سودان.نت > General Discussion Board > General Discussion - المنتدى العام

    

Reply
 
Thread Tools Display Modes
Old 05-May-18, 06:34   #51
أبو جعفر
Golden Member
 
أبو جعفر's Avatar
 

Join Date: Jan 2013
Posts: 3,640
Default



الفصل الخامس
آفاق الحل (الطريق إلى خير أمة أخرجت للناس)

1- ثورة أهل القرآن على الباطل:

إن أعجل وأوجب مهمة أمام المسلمين اليوم - ومهما كان الثمن لأن التضحية جزائها جنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين - هي التصالح مع العصر والدين.

وأولى مهام التصالح مع العصر والدين تكون بتفعيل فريضة التدبر في كتاب الله مع اصطحاب علوم العصر، أي تعقب الفهم لآياته وفقاً لعلوم العصر لاستعادة استمرارية رسالة القرآن الكريم وإطلاق طاقاته ومكاسبه بوصفه أحسن الحديث أي أحسن المتجدد الدلالة والتأويل (ما تؤول إليه معاني ومفاهيم آياته)، والمتصف بالحداثة كلما أشرقت شمس يوم جديد.
ومن هنا فإن تفعيل فريضة التدبر لن يكون إلا عبر فك ارتباط فهمنا للقرآن الكريم بالتفسير السلفي، ومن ثم تدبره على هدى معطيات وعلوم الحاضر المعاش فهو الكوثر أي المتكاثر بلا حد.

وهذا بالضبط معنى (أخذ الكتاب بقوة). أي بالقوة الفكرية المدركة لواقعها وللآخرين من حولها، والتصميم العاقل والمنطقي. فالكتاب في القرآن الكريم يعني ما فرضه الله سبحانه وتعالى من تعاليم، وألزم بها عباده في رسالاته المنزلة والتي ختمها بالقرآن الكريم المحفوظ بقدرة الله سبحانه وتعالى، والمهيمن على غيره من الكتاب حتى ولو كان منزلاً.
ومن هنا تكون قراءة (فهم) القرآن الكريم هي قراءة متجددة بتقدم الزمان وتطور حركة التاريخ، فمعطياته اليوم بخلاف أمس، وغداً بخلاف بعد غد. وهذا ما نبهنا إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144)} سورة آل عمران. لاحظ انقلبتم على أعقابكم أي لم تتقدموا بالدين إلى الأمام.

إن القراءة المتدبرة والمتجددة للقرآن الكريم ونبذ التراث السلفي (كدين وليس تاريخ له ما له وعليه ما عليه)، هو السبيل الوحيد أمام المسلمين اليوم لكي يلحقوا بركب الحضارة والتفاعل معها، وذلك لأن قدر الإنسان في هذا العصر هو التطور، فالحضارة العالمية التي تسود العالم اليوم هي من القوة ومن السعة بحيث يصعب إنتاج أي مشروع (في بعده العملي) إلا من داخل شرطها المتمثل في الخطاب المفهوم في الفضاء (الشأن) العام.

وهذا الشرط لم ينبع من فراغ حيث يقول برتراند راسل وهو أحد فلاسفتها: ".. إن حرية الفكر هي الجرعة المطهرة التي تطهر العقل الحديث من الخرافات والأوهام. إن مبدأ الحرية المسئولة يعلو على كل مبدأ وهو مبدأ أساسي وجوهري في الوجود".

وهذا التطور وفقاً لثقافة العصر هو بالضبط ما ذهب إليه المفكر أبو القاسم حاج حمد في رؤيته للتجديد في ساحة الفكر الإسلامي، فهو يقول بأن ".. التجديد في إطار العصر ليس قضية تأويلية فقط، وإنما يمضي ليخترق كل أبعاد التكوين الأيديولوجي المعاصر".

ولذلك تعتبر الثورة العلمية وحركات التنوير (وإن أدت لموجة الحاد)، والنهضة والثورة الصناعية، كل ذلك ما هو إلا خطوات لمشروع نهضة دينية سيصل إليها العقل البشري لا محالة، والله غالب على أمره وهو أحكم الحاكمين.

فالسماء قد أنزلت الحكمة، وعلى البشر الآن البحث عن حكمة السماء عبر تدبر القرآن بعلوم الحاضر. الشيء الذي سيصب في بوتقة علوم وحقائق العصر ليمنحها القرآن الكريم القوة الدينية الدافعة ليبقى ما ينفع الناس.

ومن هنا فالسماء قد أرشدتنا إلى كل خير وصدحت به فباحت بكل قولها، وعلى الأرض أن تتجاوب مع السماء وتتفاعل مع هذا الخير فهماً وتدبراً وتصدح بما ينعكس عنه في رحلة تطوره، وتجدد دلالته.

حيث كان البشر في الماضي يتلقون حكمة السماء من السماء، ولكن من بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وعبر تدبر القرآن، سيتمكن البشر من معرفة حكمة السماء من الأرض، وعليه فكل أفكار اللاهوت الأرضي والأخلاق الأرضية ودين الدولة المدنية كلها مجرد مقدمات ومحاولات ستصيب الهدف حين تلاقي محاولات الأرض أهداف السماء.

إن كمال منظومة التدبر للقرآن الكريم يكمن في كونها منظومة حية نامية ومتطورة لتواكب تطور الحياة النامية المتطورة، وتوجه خطاها وترسم خط سيرها في منازل تدافع الأمة في طريق كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله.

فقد رأينا في مقدمة هذا الكتاب تعدد الأديان في المجتمعات الإنسانية، وكيف تتوالد عن الدين الرئيس أديان منحرفة في تعاليمها ومفاهيمها (شرائعها وأفكارها). وذلك نتيجة للتطبيق المنحرف، واختطاف تحالف اليهود والمنافقين الذين حذر الله سبحانه وتعالى من كيدهم وصدهم عن صحيح الدين، لواجهة الدين، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ .... (41)} سورة المائدة ...

الشيء الذي يوجب علينا أن نتدبر القرآن الكريم لتصحيح مناهج الدين ونتمسك به ثائرين على ما يخالفه. أقول وأكرر (ثائرين على ما يخالفه) فهو ذو شوكة وحيلة، ولا يقدر عليه إلا الكوثر المتكاثر.





__________________
إن انتشار الكفر في العالم يحمل نصف أوزاره خوارج ومنافقون
بغضوا الدين إلى الخلق بسوء صنيعهم وتحريف تعاليمه
ليفتروا على الخلق
أبو جعفر is offline               Reply With Quote               
Sponsored Links
Old 06-May-18, 06:56   #52
أبو جعفر
Golden Member
 
أبو جعفر's Avatar
 

Join Date: Jan 2013
Posts: 3,640
Default



الفصل الخامس
آفاق الحل (الطريق إلى خير أمة أخرجت للناس)


2- محكمة الجنايات الفقهية والفكرية:

الناظر إلى مجمل تاريخ المجتمعات الإنسانية، يجد أن الطغيان استند دائماً على الفكر الفاسد والمتطرفين لتثبيت أركان باطله. وأن الفكر الفاسد كان السبب المباشر في أفظع الجرائم وأعنفها وأشدها ضرراً على الإنسان، والتي وصل الضرر والقتل فيها إلى مئات الملايين من البشر، وضياع ما لا يحصى من مقدرات الأمم والشعوب.

فالدعوات والتيارات الفكرية الفاسدة كان لها أسوأ الأثر على بلاد المسلمين، وعلى مدى قرون عديدة، فقد قسمت الناس بين أغلبية مغلوبة على أمرها، وأقلية انتهازية اغتصبت السلطة تحت ستار نظريات كاذبة وشعارات جوفاء دون أي مراعاة لخلق أو صون لمبدأ.

فتهاوت القيم إلى الحضيض، وقوضت كرامة الرجال، ورمي الأبرياء بالعين الحمراء، وعاثت شياطين الانتهازية فساداً في البلاد، فكان عصر الشهداء من كل الطبقات والفئات، عصر الزلازل والبراكين السياسية التي فجرها المجرمون دون دراية أو ارتكاز على مذهب من مذاهب السياسة، فصارت الفوضى الخلاقة هي عنوان كل واجهات الأمة. مما خلق هزيمة عامة لا سبيل للقضاء عليها إلا بالقضاء على دعوات الدجل السياسي التي طبَّعت اغتصاب السلطة من الشعب وجعلته في قلب أدبياتها دون وازع من حياء أو ضمير، فالباطل قد ملأ قلوب أتباعها وزين لهم الشيطان أعمالهم. وقد حدث كل هذا رغم تكاثف الآيات التي تحذرنا من الفكر الفاسد وتدميره لمفاصل حياة المسلمين السياسية والدينية والاجتماعية.

كل هذا يوجب علينا تأسيس منظومة قضائية متخصصة للتحقيق في أدبيات الفكر الفاسد، والجرائم التي يمكن أن يتمخض عنها. فتعمل على تجريمه ووصم أتباعه والداعين له بمخالفة الدين والخيانة للوطن، ومن ثم وئده في مهده قبل أن يستفحل. فالفكر منهج مرتبط بعلوم الدين القائلة بقيام الناس بالقسط من جهة، وكذلك يرتبط بعلوم الفلسفة المطالبة بشروط المنطق والأخلاق (دين الفطرة) من الجهة الأخرى، وليس مطلق لكل دجال وطاغية.

فمن جهة دين الفطرة نجد أن الله سبحانه وتعالى قد ركب فينا موازين معيارية لقياس المنهج الصحيح ومعرفة الخير والشر في حياتنا الدنيا، وهو الذي توصل من خلاله فلاسفة الحضارة الغربية (هوبز، جون لوك، روسو) في القرن السابع عشر إلى نظرية العقد الاجتماعي الذي تحكمه علوم المنطق والأخلاق الفلسفية. وبهذه النظرة المتقدمة والتي وصلت عند فولتير إلى القول: "أعدموا آخر ملك بأمعاء آخر قسيس". أثمرت شجرة الحقوق المدنية المتفشية في الغرب والمعدومة عندنا بسبب (تحالف الطغيان والفكر الفاسد).

وأما من جهة الدين المنزل فقد تكاثفت الآيات في كتاب الله الذي لم يفرط من شيء، لترسيخ القيم السياسية والاجتماعية المتكاملة، وعلى رأسها شورى المسلمين في إمارتهم. وتتالت تحذرنا من العقائد الفاسدة وتدميرها لمفاصل حياة المسلمين السياسية والدينية والاجتماعية، حيث يستغل سدنتها صفات التكبر والحقد والقسوة عند مرضى القلوب ليضلوا الناس عن مناهج الدين الصحيح ويطئوا أعناق العباد.

ومن هنا كل ما علينا هو أن نجعل القرآن الكريم مرجعيتنا في قياس الدعوات الهدامة. وما أيسر ذلك بالنسبة للمسلمين إن انتقلوا من حالة العمى التام التي أدخلهم فيها الطغاة والمنافقين، إلى تدبر ما حمله القرآن الكريم من تعاليم ومفاهيم ومعارف أنزلها الله سبحانه وتعالى لنستبين سبيل المجرمين، وفيها الرشد كل الرشد، والباب لجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين.

ولكم أن تتخيلوا بأن الإسلام فرض الديمقراطية فخرجت علينا فتاوى تحرمها، ومن ثم يصول ويجول السيف في رقاب الملايين من أمة الإسلام الخاتم في جريمة ظاهرة وصف فقهاء الشيطان رائدها ومن ابتدرها بكاتب الوحي وخال المؤمنين.
وجعل القرآن الكريم زمن الحج أشهراً، فجعله فقهاء الشيطان خمسة أيام نتدافع فيها فيقتل بعضنا بعضاً ونضيع الكثير من شهود منافع جعلها الله لنا نعمة ورحمة ... وذلك إرضاء لمؤامرة ظاهرة من دول الطغيان الأموي العباسي حتى لا يتحول الحج إلى منبعاً للثورة ضد كفرهم الصريح، ومحور فكري تشاوري لاستعادة حكم الشورى الذي فرضه القرآن الكريم.

ومن هنا جعلو الحج خمسة أيام في السنة حتى يتحكموا في حركة الناس فيهن. علماً بأن القرآن قالها وبصورة واضحة: الحج أشهر يفرض (يحدد ويختار) الناس فيهن أيام حجهم قال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} البقرة 197 ..

ويتزوج الرسول الكريم من أمنا السيدة عائشة بنت أبي بكر وهي في الحادية والعشرين من العمر فيخرج علينا حديث البخاري فيقول كانت في السادسة حين تزوجها، وفي التاسعة حين دخل بها. مما حدا ببعض الجهلة لتسليم بناتهم للزواج في سن الطفولة فيقضي بعضهن في جريمة يندى لها الجبين.

ويقول القرآن بأن أهل الكتاب مسلمين، ويشركهم الرسول في دولة مواطنة للمسلمين دينهم ولليهود دينهم بنص كتابه لأهل المدينة. فيقول فقهاء السلطان باحتكار الأمة المحمدية للإسلام ومن ثم يفتون بقتال ما سوى الأمة المحمدية مما حول الديار المتعايشة إلى دار حرب ودار إسلام، وذلك في خطة معلومة لأن ابتكار حالة عداء مستمر تسلس قياد الشعوب.

ثم يقول القرآن بسنة الله في الخلق المادي والمعنوي والتي لا تحويل ولا تبديل لها أي أن الإنسان يصنع قدره بالعمل الصالح. فيحرف السلفية مفهوم السنة لأقوال وأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ويخضعون الناس لقدر أعمى.
ولا ننسى جرائم تقنين سبي النساء وبيع الأطفال وإرضاع الكبير، أما الجريمة الأكبر فكانت حرمان المسلمين من سلطة إمارتهم وتجييرها لكل طاغية منافق.

إن القرآن الكريم بوصفه آخر رسالة شاهدة على حكمة السماء، أوجب على المسلمين عبودية راقية ومنافسة للآخر بخطاب مفهوم في الفضاء العام، مما يجعله مشاركاً في صياغة العالم بالفعل لا بالتعالي الغيبي والاحتيال الإيديولوجي على المناهج التي تشكل نسيج الفكر المجتمعي من حوله.

ومن هنا وضع لنا القرآن الكريم حد أدنى من الشرائع يجب أن تشترك في الإيمان بها كل الأمة وتتم البيعة للإسلام وشرف الانتماء له على أساسها، حتى يكتمل مشروع الإسلام كدعوة صالحة ومنافسة لغيرها من الدعوات الإصلاحية الصالحة.

ولهذا كان حرص الرسول صلى الله عليه وسلم كبيراً على أخذ بيعة مشروطة ممن يعلن عن رغبته بالانتماء إلى الإسلام. وهذا حق مستحق للرسول والدين، وكذلك هو حق مستحق لمن يود أن يلتحق بركب الأمة الإسلامية، وذلك بسبب أن الإسلام له تعاليم وتكاليف يجب أن تكون معلومة لمن ينتسب إليه، وحتى لا يتوه وسط مرجعيات هلامية.

فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأخذ العهد والبيعة على من يرغب في الالتحاق بركب الإسلام: على السمع والطاعة في اليسر والعسر والمنشط والمكره، وعدم منازعة أهل الأمر (الإمارة) أمرهم (وهم بالتأكيد هو ومن ينتخبهم المسلمين من بعده)، وأن يقوموا بالحق لا يخافون لومة لائم.

وكان من المفترض أن يستمر هذا الحق للإسلام والمسلمين، ويبايع كل من أراد الدخول في الإسلام، أو يبلغ مبلغ التكليف ممن ولد بمسمى مسلم حتى يتجدد ويتحدد: علمه بتكاليف الإسلام، وإيمانه بها، والتعهد بالانصياع لها أمام الولاية الشرعية المنتخبة من قبل المسلمين.

فالمتدبر لكتاب الله يجد أن الإسلام منظومة تعاليم ومفاهيم حياتية ودينية مترقية، وضعت للمسلم إطار عميق وصارم في مبناه ومعناه. فقد أمرت بالتوحيد، والتقوى، والشورى في الأمر (الإمارة). الشيء الذي يوجب على المسلمين إعلان العلم بها والالتزام لها. الشيء الذي يوجب علينا تأسيس منظومة قضائية متخصصة لتنظر في مدى التزام الأمة بشروط بيعتها. وكشف الدجل، ووصم أتباعه والداعين له بالجرم المشهود.





__________________
إن انتشار الكفر في العالم يحمل نصف أوزاره خوارج ومنافقون
بغضوا الدين إلى الخلق بسوء صنيعهم وتحريف تعاليمه
ليفتروا على الخلق
أبو جعفر is offline               Reply With Quote               
Old 07-May-18, 05:15   #53
أبو جعفر
Golden Member
 
أبو جعفر's Avatar
 

Join Date: Jan 2013
Posts: 3,640
Default



الفصل الخامس
آفاق الحل (الطريق إلى خير أمة أخرجت للناس)


3- الصلاة الوسطى:

الصلاة الوسطى هي التزام المسلم بواجبات الدين ومناهج القرآن الكريم (ذكر الله)، في الوقت الممتد بين الصلوات الخمسة. وعلى هذا فالصلاة الوسطى تعني استحضار وتطبيق كل ما أمر الله به بعد أن يؤدي المسلم صلاته المكتوبة، قال تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ( 238 )} سورة البقرة.

لاحظ أن مفردات الصلوات والصلاة الوسطى في الآية معرفة بالألف واللام، مما يدل على المغايرة بين الاثنين. وعلى هذا فالقول بأن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر يدخل في نطاق التكرار غير المجدي وهذا لا وجود له في كتاب الله.
ومن هنا تكون الصلاة الوسطى هي أطول الصلوات وتستغرق يوم المسلم إلا ما كان للصلوات المكتوبة والأعذار الموجبة مثل النوم والمرض الذي يذهب بالعقل. وتشتمل على كامل المنهج العقدي والسياسي والاجتماعي الذي أمر به القرآن الكريم. وهذا معنى واسع ومهم في سبيل الوصول إلى خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

فالمسلم في عمله وبيته، ووسطه الاجتماعي والسياسي (للوفاء بمتطلبات ولاية الشورى) هو في حالة صلاة وسطى، ومكلف فيها بموجبات الإيمان، والالتزام بفرائض التقوى في القرآن الكريم، قال تعالى في وصف حال المؤمنين: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23)} سورة المعارج.

هذا والقول بأن الصلاة الوسطى هي إقامة فرائض وواجبات الدين بين الصلوات المكتوبة، هو مسألة مهمة جداً، ويجيب على سؤال جدي ومهم بدرجة أن نكون أو لا نكون، ويفرضه تدبر القرآن الكريم، أي تعقب فهمنا للقرآن الكريم بالتفكير النقدي. ويقول السؤال: قال تعالى: { وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)} سورة طه. فكيف نقيم الصلاة لذكر الله سبحانه وتعالى والذكر هو تعاليم ومفاهيم القرآن الكريم؟.

وتكون الإجابة: بما أن ذكر الله هو: القرآن الكريم، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)} سورة الحجر. والقرآن الكريم فرض على المسلمين مناهج دين وسياسة واجتماع متكاملة. تكون إقامة الصلاة لذكر الله، هي إقامة الصلاة الوسطى الواردة في الآية، والتي تعني إقامة وإتباع مناهج القرآن الكريم، قال تعالى: { إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)} سورة يس. لاحظ الذين اتبعوا الذكر وليس رددوا أو تلو الذكر.

علماً بأن التواصل والتفاعل الذي يقتضيه العمل السياسي والاجتماعي هو من الصلاة الوسطى ومقاصدها من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر وتطبيق لذكر الله فيما يخص رفعة المجتمع، وإمارة المسلمين من الشورى والطاعة للولاية المنبثقة عنها.

ورحم الله المفسرين لأن لفظ الصلاة يكاد يصرخ إنني كل تفاعلات الدين، فقصروا الصلاة على الصلاة المكتوبة مع أن الصلاة المكتوبة أثر من آثار ما أمر الله به أن يوصل يقوم بها المؤمن فريضة ورغبة ورهبة.

إن آيات الصلاة حين لا تكون بياناً لكيفية، أي حين لا تكون متعلقة بالأحكام العملية فإنها كلها بعد ذلك تخدم غرضاً واحداً هو أهمية القيام بالأعمال المطلوبة دونما فرق بين عمل وآخر. فالمسلم نتيجة لهذا الفهم في صلاة دائمة متصلة بالإيمان، فالأعمال تكاليف الله للمكلف والقصد منها وجه الله الكريم للوصول إلى التزكية للنفس والبدن، وهذا من كمال القرآن الكريم.

وكما في الحج عندما يخطئ الشخص أو يحتد يقال له حج يا حاج، من المفروض عندما يخطئ المسلم ويتخطى ما أمر الله به من القيم والواجبات الدنيوية، أن يقال له: صلي يا مسلم فإنك لم تصلي في هذه المسألة.

ومن هنا تكون الصلاة الوسطى هي التي تنهانا عن الفحشاء والمنكر عبر مناهج الإيمان والقيم ووصايا الصراط المستقيم في القرآن الكريم، وليس نهي وجداني بالصلاة المكتوبة. وهي التي توصلنا إلى درجة الزكاة في قوله تعالى: { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ (110)} سورة البقرة

وبناءً على هذا فالصلاة الوسطى تعني: أن يتفاعل المسلمين مع التوحيد المانع للطغيان الغيبي والدجل والشعوذة، والتزامهم بالشورى في الإمارة الإسلامية، وتطبيقهم لمنهج التقوى الذي أستغرق ما يقرب من مائتين وثمانين آية في كتاب الله، وبالجملة التعاطي والتطبيق لكل ما أمر به الله أن يوصل.




__________________
إن انتشار الكفر في العالم يحمل نصف أوزاره خوارج ومنافقون
بغضوا الدين إلى الخلق بسوء صنيعهم وتحريف تعاليمه
ليفتروا على الخلق
أبو جعفر is offline               Reply With Quote               
Old 08-May-18, 08:04   #54
أبو جعفر
Golden Member
 
أبو جعفر's Avatar
 

Join Date: Jan 2013
Posts: 3,640
Default



الفصل الخامس
آفاق الحل (الطريق إلى خير أمة أخرجت للناس)

3- ب ثنائية الخاص والعام في الدين:

كما هو الحال مع الصلاة المكتوبة والصلاة الوسطى نجد أن تفاعل الإنسان مع الدين بشقيه الفطري والرسالي، محكوم بتطور الزمان وتجدد دلالة تعاليم القرآن الكريم، الشيء الذي ينتج معنى خاص تنتجه الدلالة الأولية أو الحرفية لآيات القرآن الكريم، ومعنى عام تقود إليه تطورات المعنى عبر الزمان.

ومن أهم سمات الخاص والعام في دين الله الخاتم، نجد أن وحدة المسلمين الخاصة هي وحدتهم الدينية. ووحدتهم العامة هي وحدتهم السياسية كطوائف متنافسة من أجل مصلحة المجتمع، والتي يمكن أن تتعدى إلى أهل الأديان الأخرى في الوطن الجغرافي.
وهناك الشورى الخاصة وهي: الشورى في الأمر (الإمارة) وخلافة الرسول الكريم. والشورى العامة وهي: الشورى الحرة والمنفتحة على كل شئون الحياة.

وكذلك نجد أن التقوى الخاصة هي: منهج التقوى الوارد تحت مظلة مفردة التقوى، ولعلهم يتقون في القرآن الكريم. والتقوى العامة هي: التقوى الشاملة لكل معطيات الدين والحياة والفطرة السليمة.

ووفقاً لهذه القاعدة يمكن أن نتعامل مع كل معطيات وتعاليم الدين مثل أن الزكاة الخاصة هي التصدق بنسبة من المال. والزكاة العامة التي تشمل كل سبل الترقي والوصول إلى الإنسان المثالي.

هذا وأغلب ظني أن الشيطان تلاعب بمن تبعه في الخلط بين الخاص والعام في معطيات الدين مما قاد إلى التشدد والغلو في مسائل قادت إلى تشرذم الأمة وضعفها الظاهر اليوم.

فمثلاً في مسألة الوحدة نجد أن الله سبحانه وتعالى قد حرم الحزبية الدينية كحرمة خاصة، فعممها الشيطان وأنصار الطغيان وقالوا بتحريم الحزبية السياسية برغم أهميتها للعمل السياسي والأمة وإقرار القرآن الكريم للتحزب السياسي وتسمية وحداته بالطوائف.

إن نظرية الخاص والعام وتمليكها للأمة والولاية الشرعية عبر فرض الطاعة للرسول صلى الله عليه وسلم وللولاية المنتخبة من الأمة من بعده، هي المخرج لأي تشدد في المكونات المحركة لمسيرة مجتمع الأمة وهما السياسة والدين حيث تحتاج السياسة إلى المرونة وحرية القرار، ويقول الدين بالتقيد بتعاليمه وترشيده.




__________________
إن انتشار الكفر في العالم يحمل نصف أوزاره خوارج ومنافقون
بغضوا الدين إلى الخلق بسوء صنيعهم وتحريف تعاليمه
ليفتروا على الخلق
أبو جعفر is offline               Reply With Quote               
Old 10-May-18, 06:42   #55
أبو جعفر
Golden Member
 
أبو جعفر's Avatar
 

Join Date: Jan 2013
Posts: 3,640
Default



الفصل الخامس
آفاق الحل (الطريق إلى خير أمة أخرجت للناس)


4- فريضة الشورى نبوة مستمرة:

القرآن الكريم كما أسلفت في جزئية (مناهج القرآن الكريم) بالإضافة لفرضه لعقيدة التوحيد ومنهج التقوى للترقي الاجتماعي، قام في خطوة سياسية متقدمة بإرساء الأسس لأول جمهورية مدنية دستورية شاملة في التاريخ الإنساني، وذلك عندما فرض إمارة الأمة وخلافة الرسول صلى الله عليه وسلم على الشعب المسلم، وذلك بنص آية الدستور السياسي للمسلمين وهي: آية الشورى، قال تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ} ، وتعني إمارة المسلمين شورى بينهم، وبلا عزل لمسلم مكلف في ديمقراطية بالباب.

وبهذا التفويض صارت ولاية الأمر الإسلامية خاضعة بالكامل لشورى المسلمين، وحاكمية الأمة، وبلا قيد أو شرط أو ثوابت من تطبيق شريعة أو سياسة شرعية في الآية.
"فمصلحة الأمة هي معيار الصواب والخطأ والنفع والضرر في السياسية والدولة والمجتمع، بل وجعلت المصلحة هي المرجع الأول في حسن الأمور وقبحها؛ ومن ثم وتبعاً لذلك رضا الله أو سخطه عليها. "فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن" على قول ابن مسعود رضي الله عنه" .

إن هذه الديمقراطية التي فرضها القرآن الكريم في خطاب مفهوم ومنطقي، تمثل نبوة مستمرة ومتحققة بتفاعلات الشورى في إمارة الأمة، غير أن النبوة هنا لا تأخذ صورة الرؤية والمخاطبة والتوجيهات بصورة فردية كما كان الوضع مع الفئات المختارة من الأنبياء، وإنما تأخذ طابع التفهيم والإيحاء أي طابع غير مباشر للترشيد الإلهي. قال تعالى: {يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2)} سورة النحل.

وفي تفسير هذه الآية يقول حاج حمد في كتابه: (العالمية الثانية للإسلام): بأن الله سبحانه وتعالى يلقي الروح والتي هي قناة اتصال، على نوع من البشر يوكل إليهم القيام بمهمات الاستنهاض الديني للبشرية، فأولئك - تبعاً لمهماتهم - أكثر الناس حاجة لقناة الاتصال الروحي هذه، إذ عبرها يلهمهم الله ما هو صواب وكيف يسلكون، ولكنهم لا يصلون إلى مرتبة النبوة، ولا إلى مرتبة الرسل.

هذا وقد كشف العلم الحديث عن هذا الإعجاز للإسلام الخاتم تحت مسمى: (نظرية الفكر المتناسل) أو ما يعرف علمياً بالعصف الذهني، حيث إن نتائج الشورى والحوار الحر، غالباً ما تكون فكر جديد لم يكن في ذهن أي من المتحاورين حين التقائهم. الشيء الذي يفسر لماذا تقدم الغرب سياسياً واقتصادياً وتقريباً على كافة الأصعدة والميادين الحياتية، عندما التزم بنظرية العقد الاجتماعي التي أوجبت الحق الإنساني في الحرية والمشاركة في النظام السياسي.

حيث يرى جون لوك (القرن السابع عشر) أن للإنسان حقوقاً مطلقة، لا ينتجها المجتمع، وإنما يستحقها بحكم إنسانيته، وأول هذه الحقوق هي: الحرية التي تنشأ عنها المساواة العامة وحق الملكية والحرية الشخصية، وحق الدفاع عنها، كما يرى جون لوك بأن السلطة السياسية تنشأ بالتراضي والتعاقد الحر، لأن أعضاء المجتمع جميعهم أفراد ضمن الحالة الإنسانية، وقد تعاقدوا لصيانة حقوقهم، وعهدوا لفريق منهم بالحفاظ على هذه الحقوق لضمان صلاح المجتمع واستمراره.

ومن وجهة نظر إسلامية حول الحق في الحرية يقول حاج حمد: ".. إن مجمل التكوين الحضاري العالمي لعصر ناقد قد أخرج إنساناً هو غير إنسان العصور الدينية في تكوينه الذاتي، وتصوره الكوني، وأبعاده الاجتماعية والأخلاقية". ثم يواصل فيقول: ".. فمدعي النبوة اليوم لا يمكن أن يجد من يصغي إليه، فقد ظهر الأنبياء في إطار مراحل تاريخية ذات تركيب أيديولوجي مختلف".

وبناءً على ما طرحه حاج حمد يمكن لنا أن نقول بأن ختم النبوة الفردية لا يعني ختم المدد الإلهي، ولا نهاية تطور الدين في الأرض، فكلمات الله لا نهاية لدلالاتها وما تؤول إليه معانيها.

ولكن ما حدث من ختم النبوة، هو ختم المنهجية التي كانت تظهر بها النبوة في السابق، وكان الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام ختام أنبياء تلك الحقبة. ومن بعده ستنتقل النبوة للعمل من خلال التفاعل الإنساني مباشرة، وذلك عبر تثوير العقول وتنويرها عبر التجربة العلمية والعصف الذهني والشورى في الأمر.

ومن هنا تمثل فريضة الشورى في الإمارة الإسلامية "النبوة التفاعلية" في الأمة بعد ختم النبوة الفردية بالتحاق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، وكذلك تمثل العقل السياسي للأمم والشعوب، والحد الفاصل بين الحكم الراشد ونقيضه في المجتمعات الإنسانية، وذلك وفقاً لنظرية الفكر المتناسل والتي تقول ببساطة: ((ما تشاور اثنان أو أكثر في حوار جاد وحر، إلا وتولدت أفكار وحلول لم تكن في ذهن أي من المتحاورين حين التقائهم))، مما يفتح الباب لثراءً فكري ممتد بامتداد ساحات الشورى والحوار في المجتمع.

وهذا يعني أن زيادة مساحات حرية الحوار الهادف في المجتمع - وتعدد ميادينه الحياتية - تقودنا إلى المزيد من الأفكار والحلول الجيدة، وتعدد المكاسب في متوالية لا نهاية لها، الشيء الذي يعلي من قيمة الحرية السياسية، ويقيم سداً من التكفير والتخوين لأي بادرة تحجيم للحرية والديمقراطية في الوطن والأمة.

هذا وتكمن أهمية تناسل الفكر وتنميته في المجتمعات الإنسانية، في أن الفكر هو الصانع للحضارة والمدنية، فالحضارة منهج فكري، والمدنية وقلبها المتمثل في التشريع، هي نتاج هذا المنهج الذي تثريه حرية التعبير والتعدد السياسي، ويقتله الاستبداد وفرض الوصاية على الدين والأوطان. الشيء الذي اعتنى به الإسلام أيما اعتناء ووضع له مناهج أثبتت منطقها وخطابها المفهوم في الفضاء (الشأن) العام.

فقد وصف الرسول صلى الله عليه وسلم خلافته الشرعية (المنتخبة بالشورى) بخلافة النبوة وأخبر بأنها عائدة وراجحة، وذلك في حديثه الشهير: تكون خلافة على نهج النبوة ثم ملك جبري ثم ملك عضوض ثم خلافة على نهج النبوة.


ومن هنا على أهل الاستنارة تسلم القيادة الفكرية للدين، وذلك عبر المنظومة الحضارية المشتركة بين الإسلام الخاتم، ونظرية العقد الاجتماعي التي توصل إليها فلاسفة الغرب، وهي النظام الديمقراطي وجعله الوسيلة الناجعة لتنقية الدين مما لحق به من تحريف على يد الجاهلية الأموية والعباسية وملوك وعسكر الطوائف عبر التاريخ الأسود للمسلمين.

فقد فرض علينا الإسلام نظرية سياسية تقدمية فاعلة لها خصائص تنزيل الأفكار والحلول، ودعمها بكل فرائض منهج التقوى من صلاة وسطى وحج (سنفصل جانبه السياسي في التفصيلة التالية).




__________________
إن انتشار الكفر في العالم يحمل نصف أوزاره خوارج ومنافقون
بغضوا الدين إلى الخلق بسوء صنيعهم وتحريف تعاليمه
ليفتروا على الخلق
أبو جعفر is offline               Reply With Quote               
Old 11-May-18, 05:12   #56
أبو جعفر
Golden Member
 
أبو جعفر's Avatar
 

Join Date: Jan 2013
Posts: 3,640
Default



الفصل الخامس
آفاق الحل (الطريق إلى خير أمة أخرجت للناس)

5- الحج قياماً للناس ومنافع ومثابة وأمناً (منظومة أمم متحدة):

الحج في القرآن الكريم (بالإضافة لشعائره وواجباته الدينية) يمثل منظومة أمم متحدة بامتياز، فهو لسانياً يعني الافتقار إلى البيت الحرام، لأن حاج إليه بحسب قاموس المعاني تعني أفتقر إليه (حاجَ إِلَيْهِ: اِفْتَقَرَ إِلَيْهِ). ومن هنا فالحج يوجب على كل صاحب معضلة أن يلجأ إلى بيت الله الحرام لحل معضلته، وذلك إن استطاع إليه سبيلاً.

وفي نفس الوقت يوجب حج البيت على كل صاحب فكر - بالإضافة إلى هديه المادي - أن يساهم بهدي معنوي أي أن يساهم بفكره حتى يجعل من بيت الله الحرام حجة للنهوض بحياة الناس اجتماعياً ودينياً وسياسياً. وذلك في جدلية (تفاعلية) ممعنة في ترجمة التكامل الإسلامي ووحدة الأمة.

فقد جعل الله سبحانه وتعالى بيت الله الحرام (قياماً ومنافع للناس، ومثابة وأمناً) إلى أن يرث الله الأرض وما عليها. قال تعالى في سورة البقرة: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا .... (12)}. وقال تعالى في سورة المائدة: {جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ ... (97)}. وقال تعالى: { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ..... ( 28 )} سورة الحج.

ومن هنا فأعجل نظر لهذا التوصيف الوظيفي لبيت الله الحرام (قياماً ومنافع للناس، ومثابة وأمناً). يجد أنه - بالمعنى الحديث للأمم والشعوب - يمثل منظومة أمم متحدة بوكالاتها المتخصصة لترقية مناحي ومتطلبات الحياة الكريمة.
الشيء الذي يوجب على أهل السياسة والاختصاص في العالم الإسلامي المساهمة في تأسيس جهاز إداري وسياسي وقانوني لبيت الله الحرام لترجمة هذه المعاني في الواقع العملي والارتقاء بهذا الواقع إلى الدور الذي تقوم به واشنطون ونيويورك في السياسة العالمية اليوم.

علماً بأن الحج فريضة دينية لازمة لمن أستطاع إليه سبيلا لقول الله سبحانه وتعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)} سورة آل عمران. وفي واجباته الدينية قال تعالى: { ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)} سورة الحج أي أداء شعائره وواجباته.

زمان الحج: هذا وقد عرف لنا الله سبحانه وتعالى زمان الحج وفتحه على كامل أشهر وأيام السنة ليحدد - في أثناءها - الناس حجهم (افتقارهم للبيت) بحسب الوسع. وذلك ثابت بآيات بينات وقطعية المعنى، حيث قال تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ (197) } سورة البقرة. والمعنى واضح وهو أن زمان الحج في إطار العام أو السنة أشهر معلومة لأهل الزمان وولايتهم الشرعية، يفرضون (يحددون ويختارون) في أثنائها حجهم.

فقد عرف لنا الله سبحانه وتعالى الشهور في قوله تعالى: { إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ (36) } سورة التوبة. وكذلك قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ (189)} سورة البقرة. لاحظ الأهلة كلها مواقيت للناس والحج، وليس من شهد منكم الشهر فليحج.

هذا وتشير مفردة (معلومات) في الآية: { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} إلى مفهوم مهم وهو: أن الله سبحانه وتعالى يجعل لعباده وولايتهم الشرعية المنتخبة بالشورى الخيار في تحديد أشهر وأيام حجهم بحسب ما يصلح لزمانهم.

ففي زمان السيرة العطرة اختار الرسول صلى الله عليه وسلم الأشهر الحرم وألتزم بها في حجه ثلاث مرات في ذو القعدة، وهي سنين ستة وسبعة وثمانية للهجرة. ومرة في ذو الحجة سنة عشرة للهجرة، وذلك حتى يأمن الناس وهم قادمون لأداء نسكهم، وعائدون من حجهم إلى ديارهم.

فقد حضر الرسول صلى الله عليه وسلم في ذو القعدة سنة ستة للهجرة (مارس 628م) في ألف وأربعمائة من أصحابه وساق هديه مشعراً (معلماً) ومقلداً ناوياً الحج، وقد قلت الحج لأن العمرة لا تشترط الهدي في كتاب الله. قال تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ (196)} سورة البقرة.

كما أن هناك مسألة مهمة كان على الرسول صلى الله عليه وسلم إبطالها وهي بدعة قريش وعدم خروجهم لعرفات بحسبان أنهم (الحمس) أهل الحرم وخاصته. وقد قامت قريش باعتراضه ورفضت دخوله وأصحابه لأداء مناسكهم الشيء الذي انتهى إلى هدنة بين الطرفين على أن يعود السنة القادمة وتخلي له قريش المشاعر ليمارس طقوس حجه.

وفي سنة سبعة للهجرة حضر الرسول صلى الله عليه وسلم وساق معه الهدي ستين بدنة وأتم حجه على الوجه الصحيح. ولكن الدليل الأكبر على حج الرسول في ذو القعدة فقد كان في سنة ثمانية للهجرة، وذلك حين فتح الرسول صلى الله عليه وسلم مكة لعشر بقين من رمضان. وأنتظر إلى ذو القعدة ليهل بالحج. الشيء الذي قالت عليه كتب الضلال عمرة فهل يعقل أن ينتظر الرسول صلى الله عليه وسلم من رمضان إلى ذو القعدة ليعتمر فقط وهو القائل عمرة في رمضان كحجة أو تساوي حجة.

أما اليوم وقد أمن الناس طوال العام فالخيار الأصلح هو فتح زمان الحج - إلا ما كان للضرورة الإدارية - على مدار العام لأن الحج بالإضافة لشعائره الدينية، هو منافع ومثابة وقيام للناس وليس من المنطق حجره على أيام معينة.

فكل يوم هو عرفة يختاره الأفراد والجماعات بحسب تخصصهم وحاجتهم، وكذلك وفقاً للنظام الذي تقره الولاية الشرعية لأداء نسكهم ويشهدوا المنافع. فالحج فريضة يكتنفها الافتقار إلى بيت الله الحرام ومن هنا هو واجب متكرر بقدر ما يفتقر المرء إليه، أو يفتقر الناس إلى فكره وعلمه بالنسبة لأهل الاختصاص.

الأيام المعدودة: ورد لفظ الأيام في مسألة الحج - في القرآن الكريم - مرتين وفي المرتين لا نجد أي إشارة إلى تحديد لزمان الحج داخل إطار السنة القمرية، وإنما فقط التعريف بالمناسك وعدد أيامها بعد أن يفرض الحاج حجه، وذلك أبان أو أثناء أشهر الحج بحسب تعريف أهل الزمان وولايتهم.

قال تعالى: { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (2) } سورة الخج. والأيام المعلومات هن يوم العمرة، ويوم عرفة (الذي هو يوم الحج الأكبر لمن نوى الحج)، وأيام منى الثلاثة.

أما الآية الثانية قال تعالى: { وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203)} البقرة فهي حساب لأيام منى وكذلك ليس لها دخل بزمان الحج.
وسبحان الله دائماً ما تجد في أي آية يتدبرها الإنسان حكمة ظاهرة فالآية الأولى لم تذكر الأيام بالتفصيل حتى تتيح الفرصة أمام الولاية الشرعية لإضافة ما تراه مناسباً من أيام. وهذا ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم حين أضاف يوم التروية. فالدين عقل وبحث مستمر عن حكمة العمل. ولا دين لمن لا عقل له قال تعالى: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) } سورة يس. أما عن عدد أيام منى الثلاث فقد حددتها الآية الثانية حتى لا يغالي أحد فيجعلها عشرة أو أكثر فيشق على الناس.

وتخيل أن يأتي هذا التسهيل والتيسير من الكتاب وسيرة المصطفى حين كان الحجاج وقتها بالآلاف، فما هو الحال يومنا والحجاج بالملايين!. وهنا نتعرف على جناية الفقه السلفي على الإسلام والمسلمين!.

فالحج بصورته الحالية بالإضافة لخسائره في المال والأرواح، هو كفر صريح وتضييع حقيقي لمقاصد وأهداف الحج في القرآن الكريم وفقهه القويم. فقد تعقدت سبل الحياة ولا بد من تفعيل مقاصد الحج لحاجة الأمة الإسلامية الماسة إليها اليوم قبل غداً.






__________________
إن انتشار الكفر في العالم يحمل نصف أوزاره خوارج ومنافقون
بغضوا الدين إلى الخلق بسوء صنيعهم وتحريف تعاليمه
ليفتروا على الخلق
أبو جعفر is offline               Reply With Quote               
Old 12-May-18, 06:59   #57
أبو جعفر
Golden Member
 
أبو جعفر's Avatar
 

Join Date: Jan 2013
Posts: 3,640
Default



خاتمة الكتاب

وضح لنا من ثنايا فصول هذا الكتاب أن الدين هو أهم وأخطر عناصر حياة الإنسان (طالت أو قصرت)، وعند الموت الذي ليس منه بد سيكون الإنسان مواجهاً بـ: أحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون، وما فرطنا في الكتاب من شيء، وخذ الكتاب بقوة، ومصائر الأخسرين أعمالا الذين يتبعون الظن. ولا عذر للمسلم الذي أعلن الإيمان بالقرآن الكريم وغفل عنه بالتقليد الأعمى، وقال فلان وفلان ثقة.

فالقرآن الكريم وضع لنا مناهج متكاملة، وفي آيات متجددة الدلالة ومتناسلة المكاسب والنفع، ليس للفرد والجماعات الصغيرة فحسب، وإنما للإنسانية جمعاء. وحرمان الناس من هذه المناهج بتغييب تعاليمها عبر النصوص المخالفة جريمة في حق الإنسانية كل ككل وليس في حق فرد هنا أو مجتمع هناك.

فأنظر لنفسك أخي المسلم في أي جهة تقف وأي منهج تسلك، فالقرآن الكريم له هدف ومقصد رئيس واضح وهو قيام الناس بالقسط، وله عنوان ينتظم كل تعاليمه وهو التحرر من الأغلال المتمثلة في الطغيان الديني والاجتماعي والسياسي، وله عقائد مركزية لتحقيق هدفه وعنوانه متمثلة في: التوحيد، والتقوى، والشورى (الديمقراطية) في الإمارة الإسلامية، كما جاءت تفاصيله في هذا الكتاب.


وصدق صاحب كتاب أمي كاملة عقل ودين حين قال: ".. إن عروبة الكتاب تكمن أهميتها في استنباط الأحكام والحكم منه لمن يجيد العربية. ومن وهبه الله هذه الهبة فقد وقعت على عاتقه مسؤوليةً تَئِن مِن ثقلها الجبال، لأن مَن لا ينطق العربيةَ لن يسأله الله عما يَسأل عنه العربي (ورقة الامتحان ليست واحدة). فهلا وعينا الدرس وقدمنا الإسلام كتعاليم ومفاهيم وليس ترانيم غارقة وسط موروث فقهي و(لهو حديث) تئن من تخلفه وتضاربه الجبال الراسيات.

واليوم وقد وصل بنا الحال إلى أرذل الأمم بدلاً من خيرها، وأجهلها بدلاً من أعلمها، وأفقرها في كل شيء بدلاً من أغناها. لا بد لنا من وقفة صارمة تحمل سيف أحكام قاطعة تعيد الناس إلى تعاليم النص المعجز الذي أنعم به الله سبحانه وتعالى علينا دوناً عن العالمين والأمم من حولنا.

وبناءً على هذا لم يعد التراث الإسلامي - عدا عن كتاب الله - بقادر على أن يبقى بمعزل عن النقد الجذري الصارم، فقد أصبح موضع شك كبير وأصبحنا مضطرين لنقده ومسائلته بقوة وقسوة. مستصحبين في ذلك: التجارب التاريخية المريرة والتي لا تخفى على أحد.

فالدرس الأساسي الذي نستخلصه من التجارب الكارثية لمعظم التاريخ الإسلامي، هو وجوب مراجعة التراث الذي أوجدها وأساء إلى الإسلام، وأوقف مسار رسالة (أحسن الحديث) الدائمة، وتسبب في قتل المسلمين أرتالاً وشتت شملهم، وقدس كل من عمل على هدم خلافة النبوة، لأن الكفر والإيمان في نصوص هذا التراث الجاهلي حده نطق الشهادة، ولا يمكن أن يصنعه فعل أو قول خارج نطق الشهادة مهما بلغت فظاعته.

إن هذا التراث يجب أن يخضع للغربلة النقدية الصارمة، وكل شيء فيه ينبغي أن يخضع للتحليل العقلاني، وألا يقبل أي شيء منه إلا بواسطة حجج منطقية توافق تعاليم ومعارف ومفاهيم القرآن الكريم ... القرآن الكريم الذي حذرنا من شراء لهو الحديث من فقهاء الشيطان لنضل عن سبيل الله.

وهذا هو واجب كل مسلم مثقف. علماً بأن السُّكوت المريب للعديد من المثقَّفين المسلمين عن الأصوليَّة السَّلفيَّة والشيعية (إن لم يبطن التَّعاطف معها سرا) شيء مزعج وخطير ولا يبشر بالخير. لأنَّ من شأن الخلط المعيب بين أمور السياسة والدين الذي تقول به هذه التيارات والمذاهب، أن يُفسد كلاهما.

حيث يتحول الدين وهو شأنٌ مقدسٌ متعالٍ لمُجرَّد أداة لخدمة المصالح الدنيوية الضيقة والمتغيرة, ويتخذ له لوناً وثقافة ولغة متحيزة تهبط به إلى درك سحيق, وهو كذلك يُفسد السياسة بالتقديس لشأن فوضه الله سبحانه وتعالى للمسلمين بحيث تغيب عنه النظرة العقلانية والتحليل الموضوعي لأساس المشاكل التي تواجه المُجتمع مما يجعل إيجاد الحلول أمراً مُستعصياً.

وأختم بأن الحل كل الحل كما أسلفت هو في تأصيل نبوة الشورى والعمل بها. وتفعيل استمرارية الرسالة عبر التدبر المستمر لآيات القرآن الكريم على هدي علوم الزمان، للوصول لأفضل تفسير وتأويل (ما تؤول إليه معاني آياته)، وذلك للخروج بدين يتوافق مع متطلبات فلسفة الزمان، فالقرآن الكريم هو رسالة مستمرة بسبب تجدد الدلالة الكامن في آياته، فهو أحسن الحديث أي أحسن الجديد والذي يقدم فهماً متقدماً عبر الزمن فيما تناوله، وتيار تدبره هم أنبياء رسالته. والشورى في الحكومة هي نبوة دائمة وأهل السياسة هم رسل نبوتها عبر الزمان.






__________________
إن انتشار الكفر في العالم يحمل نصف أوزاره خوارج ومنافقون
بغضوا الدين إلى الخلق بسوء صنيعهم وتحريف تعاليمه
ليفتروا على الخلق
أبو جعفر is offline               Reply With Quote               
Reply

Bookmarks

Thread Tools
Display Modes

Posting Rules
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is On
Smilies are On
[IMG] code is On
HTML code is Off

Forum Jump

بحث مخصص

All times are GMT. The time now is 11:59.


Sudan.Net © 2014