Go Back   Sudan.Net Discussion Board - SDB - منتدى سودان.نت > General Discussion Board > Sudan Charity Network - شبكة السودان الخيرية

    

Reply
 
Thread Tools Display Modes
Old 28-Feb-10, 08:58   #1
sentimental
Golden Member
 
sentimental's Avatar
 

Join Date: Jun 2002
Location: TORA BORA
Posts: 5,397
Send a message via ICQ to sentimental Send a message via AIM to sentimental Send a message via Skype™ to sentimental
Post ثورة في العمل الطوعي

بقلم سنتمنتال
ظهرت بوادر العمل التطوعي بشكلها المنظم الراهن بالعالم العربي، في القرن التاسع عشر. واستمر ذلك بوتائر مختلفة حسب الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لكل دولة من هذه الدول، وكان له إسهامات مقدرة في تقديم العون والمساندة للمحتاجين.
تشكل الثقافة والقيم السائدة عوامل مهمة بالعمل التطوعي، لما للمنظومة الثقافية والقيمية من تأثير على الدوافع والأسباب التي يحملها الناس. ومما لا شك فيه، أن الموروث العربي والإسلامي يحتوى على العديد من القيم التي تحفز الفرد على التفاني من اجل مساعدة الغير. ففي الثقافة الإسلامية، حظي العمل التطوعي بمكانة عالية من الاهتمام، إذ نجد الكثير من النصوص القرآنية والأحاديث الشريفة التي تحث على كفالة الأيتام، ومساعدة الضعفاء والمعوزين والفقراء، ومد يد المساعدة للعاجزين والمعوقين، والمساهمة في التعليم ونشر العلم، والحفاظ على البيئة، والمشاركة في العمران والتطوير، إلى آخر ما هنالك من مجالات متعددة ومتنوعة للعمل الخيري والتطوعي.

لا يوجد مفهوم واحد للعمل التطوعي عند المختصين بهذا المجال، ولكن اغلب التعريفات تتفق على الأقل بان احد الجوانب التالية تشكل عنصرا مهما في مفهوم العمل التطوعي.

• انه يعكس وعي المواطن وإدراكه لدوره في المجتمع وبالتالي انتمائه لذلك المجتمع.
• إن العمل التطوعي هو الجهد الذي يبذله المواطن من اجل مجتمعه أو من اجل جماعة معينة من الناس دون توقع جزاء مادي مقابل جهوده سواء كان هذا الجهد بالنفس أو المال.
• إن العمل التطوعي هو جهد إرادي يقوم به الفرد أو الجماعة من الناس طواعية واختيار بتقديم خدماتهم للمجتمع أو إحدى فئاته.

من هذا، يمكن الاستنتاج أن العمل التطوعي هو حركة اجتماعية تهدف لتأكيد التعاون وإبراز الوجه الإنساني للعلاقات الاجتماعية مع إبراز أهمية التفاني في البذل والعطاء عن طيب خاطر في سبيل سعادة الآخرين. ولكن لا يجب أن ينظر للعمل التطوعي بمنظور مثالي من حيث أهداف ودوافع الأفراد الذين ينخرطون بالعمل التطوعي، حيث قد تكون هناك أهداف غائية وان كانت غير مباشرة للأفراد والتي قد تؤثر على العمل التطوعي سلبيا في بعض الأحيان.

جاءت أهمية العمل التطوعي من عدم قدرة الدولة المعاصرة على الاستجابة لكل الحاجات المجتمعية أو تلك الخاصة ببعض الفئات لأسباب مادية بحتة، تتلخص في عدم القدرة على توفير المصادر المالية الكافية لسد حاجات كافة أفراد المجتمع. في عصرنا الحالي بتحولاته الثقافية والتكنولوجية والاقتصادية، صار العمل التطوعي محركا لكثير من الشباب المتحمسين بدوافع مختلفة. نحاول في هذا المقال، ونحن نستشرف الذكرى 150 لإنشاء اعرق منظمة للعمل الإنساني هي الهلال والصليب الأحمر الدوليين. كما نحاول رصد هذه التحولات والدوافع لدى المتطوعون الجدد لمعرفة أثرها بالنسبة لعمل عرف بمثالية دوافعه عبر التاريخ.

ثورة العمل التطوعي

بدأت أولى الخطوات التي بدلت وجه العمل التطوعي، ربما إلى الأبد، في السادس والعشرين من يونيو 2006 عندما تبرع وران بافت، الملياردير الأمريكي، بمبلغ 31 مليار دولار من ثروته للأعمال الخيرية، واضعا هذا المبلغ الضخم بين يدي منظمة بيل وميلندا غيتس الخيرية، إضافة إلى ستة مليارات أخرى من الدولارات وضعها تحت تصرف منظمات أخرى تديرها عائلته. سبقه في ذلك بأيام فقط بيل غيتس "محرك" مايكروسوفت العملاقة والذي تبرع برقم مشابه لانشاء منظمة بيل وميلندا الخيرية. فما الذي دعاء اثنين من أغنى أغنياء العالم إلى بذل مثل هذه المبالغ التي تعادل اقتصاديات عدد من الدول مجتمعة. هل ذلك من اجل صرفها على فقراء العالم كما فهمنا عبر العصور من تعبير "عمل خيري"؟ أم وراء ذلك أسباب وأفكار أخرى؟

إن الاختلاف الكبير في العمل التطوعي مقارنة بالعقود السابقة نابع من التحولات الثقافية التي طرأت على الإنسان، وهي تحولات طبيعية تمر بها الأمم عبر العصور. لقد عرفنا عبر التاريخ، أن لكل امة عقول تجدد دمائها كلما ركدت، وأشخاصا يحملون راية الطلائع في عصرهم، وهم أكثر الشخصيات تأثيرا على الثقافة الجمعية للناس. في الغرب مثلا، يمكن أن يكون بيل غيتس هو المحرك لتلك الثقافة الجمعية. فالرجل استطاع أن ينقل شركته التي أنشاها في عام 1975، من شركة صغيرة إلى أكثر الشركات تأثيرا في العالم من خلال مساهمتها في إرساء ما يسمى "عصر العولمة". إن الحراك الثقافي الكبير الذي أحدثته المنتجات التكنولوجية في هذا العصر، هو ما حفز أحد عرابيه لتجربة حظه مرة أخرى. لكن هذه المرة في مجال اتفق الناس على انه يصب في مساعدة الناس دون انتظار اجر على ذلك. ليس هذا فقط، وإنما أن يتنازل عن إدارة شركته العملاقة مايكروسوفت، متفرغا للعمل بدوام كامل في منظمته "بيل وميلندا غيتس الخيرية"، مستصحبا في ذلك الخبرات التي جناها طوال أكثر من ثلاثين عاما هي عمر شركة مايكروسوفت. وهو التحدي الجديد الذي وضع صاحب مايكروسوفت نفسه فيه.

الرأسمالية الخيرية:

ربما كان المصطلح في حد ذاته غريبا نسبة لجمعه بين متناقضين "Philanthrocapitalism". فقد تواضع الناس على التفريق بين العمل الخيري كنشاط إنساني يرتاده المثاليون، وبين الاقتصاد الرأسمالي كنشاط تجاري هدفه المعلن هو الربح فقط. فما هي حقيقة هذا المصطلح الجديد؟.
يؤمن المتبرعون الجدد بعدم فعالية نظام العمل الخيري القديمة في مواجهة مشاكل العالم الحديث المتغيرة. برغم المليارات التي تصرف سنويا على العمل الخيري، إلا أن القليل من التغيير فقط يحدث للأفضل على ارض الواقع. لذا، يعتقد الرأسماليون الجدد بإمكانية القيام بعمل أفضل مقارنة بمن سبقهم في هذا المجال. شكلت العقود السابقة حقبة ذهبية للرأسمالية، لذا يفكر المتبرعون الجدد أن بإمكانهم تطبيق نجاحاتهم التي اكتسبوها في مجال الأعمال "البيزنس" على العمل الخيري التطوعي بنفس الكفاءة. ومن هنا جاءت تسمية هذه الاتجاه الجديد في العمل الخيري.

تعتقد الرأسمالية الخيرية إن بامكانها إنقاذ ملايين الأرواح من براثن الفقر والجوع والمرض والجهل التي تعصف بالعالم الحديث، عن طريق الأموال والخبرات المتراكمة المكتسبة خلال عقود من الأنشطة في مجال الأعمال. مما يدل على جدية هذه "الحركة" الرأسمالية الجديدة، تفرغ بيل غيتس الكامل للعمل في مؤسسته الخيرية ابتدأ من شهر يونيو 2008م. يقول غيتس في مقابلة أجريت معه "إن اثنتين من خمسة أشياء هامة حققتها في حياتي، هما الحاسب الشخصي الذي غير حياة المليارات من الناس، أما الثاني فهو ما آمل تحقيقه في مجال العمل التطوعي".
تقوم منظمة بيل وميلندا الخيرية بمحاربة الأمراض التي تعصف بالدول النامية في أفريقيا واسيا مثل الملاريا والسل والاسهال والايدز. كما تقوم بتمويل أربعة عشر مشروعا للأبحاث في مجال اللقاحات وتطوير طرق اقتصادية فعالة لقياس الصحة العامة. كما تقوم المنظمة بتوفير مئات الملايين من الدولارات سنويا لتسريع عجلة النمو الاقتصادي في الدول الفقيرة، إضافة إلى تحالفه مع منظمة روكفيلير الخيريةRockefeller Foundation” " والتي تعمل منذ عام 1940م في مساعدة المزارعين للحصول على محصول أفضل في دول أفريقيا واسيا.
مما لا شك فيه، أن حركة الرأسمالية الخيرية سوف تنمو باطراد بزيادة عدد الاثرياء في العالم. ففي عام 2008م، ذكرت مجلة فوربز بان عدد المليارديرات في ذلك العالم وصل إلى 1125 مقارنة بعدد 140 في عام 1986م ، هذا إضافة إلى آلاف المليونيرات.
بظهور الرأسمالية الخيرية، تطورت مصطلحات اقتصادية جديدة لتصف هذا الاتجاه المختلف في العمل الخيري. مصطلحات مثل "المضاربة الخيرية Venture Philanthropy"، حيث ينظرون إلى أنفسهم كمستثمرين اجتماعيين وليس متبرعين تقليدين. وكمجددين يدعمون الذين يقدمون حلولا خلاقة لمشاكل المجتمع "Philanthropreneurs". وكمسخرين للأرباح التي يجنونها من العمل الخيري لفائدة المجتمع. وهذا بالطبع مخالف لتقاليد العمل الخيري التي يفترض أن يمنح المال لا أن يأخذ!. لكن ترى الرأسمالية الخيرية انه إذا كان في الإمكان منح المال من اجل حلول لمشاكل المجتمع، ونتج عن ذلك مردودا ماديا، فانه من الممكن جذب الكثير من رؤوس الأموال بصورة أسرع، مما يخلق أثرا ايجابيا سريعا أكثر من مجرد التبرع بهذه الأموال، مما يجعل أمر التبرع بها أكثر فاعلية. ويثبت صدق هذه النظرة العدد المطرد من الأعمال التقليدية التي تتجه الآن إلى الاستثمار في العمل التطوعي في الغرب. يري غيتس أن هذه هي البداية لما يسميه "النظام المبتكر System Innovation" لما اسماه "الرأسمالية الخلاقة Creative Capitalism". فما هي طبيعة هذه الرأسمالية؟


مبادئ الرأسمالية الخلاقة:

يعتقد بيل غيتس، وهو أول من طرح مصطلح "الرأسمالية الخلاقة" في منتدى دافوس الاقتصادي بسويسرا في يناير 2008م، أن على الرأسمالية التي خدمت الأغنياء في زيادة ثرواتهم، أن تتحول الآن إلى خدمة الفقراء أيضا. ونادي بنظام اقتصادي جديد قادر على جذب رجال الأعمال للعمل الخيري. هذا النظام لديه مهمتين هما، تحقيق الأرباح وفي نفس الوقت خدمة أولئك الذين لم يستفيدوا من قوى السوق. للمحافظة على ديمومة هذا النظام، يجب أن تتوفر فيه الربحية كمحفز متى كان هذا ممكنا. لكن، بما أن الربحية لا تتوفر في مثل هذا النظام دائما، لذا يكون الحافز البديل دائما هو الاعتراف بفضل العمل وبالتالي تقدير الجهود التي تقوم بها المنظمة من قبل "الزبائن" والسوق.
يكمن التحدي الأكبر في تصميم نظام يجمع ما بين حوافز السوق والاعتراف بالفضل والأرباح من اجل قيادة هذا التحول في الأنشطة الرأسمالية. هذه الرأسمالية الخيرية يمكن تبنيها بواسطة كل المؤسسات الخيرية بطريقة أو أكثر للوصول إلى خدمة اكبر عدد ممكن من المحتاجين، والمساهمة في إيجاد نوع من العدالة الاجتماعية سلبتهم إياها عدالة السوق التي تستجيب فقط للطلب لا إلى الحوجة. ربما أن أحوال الناس تتحسن، ولكن ببطء كبير. والثورة التكنولوجية من جانبها، ذادت من حجم الظلم الذي يقع الآن على حوالي مليار شخص حول العالم. كما أن تغيرات المناخ سوف تزيد من حجم الضرر الواقع على هولا الفقراء والذي لم يساهموا في حدوثه بنفس القدر الذي سببته الرأسمالية.

تختلف الرأسمالية الخلاقة عن نظيرتها الرأسمالية التقليدية، أو رأسمالية الأعمال التقليدية التي تعتمد على منح مبالغ قليلة من المال لقاء الشهرة في الغالب، وليس رغبة في تغيير العالم نحو الأفضل. كما تختلف عن المؤسسات الاجتماعية القديمة والتي لا تلعب دورا سوى ممارسة نوع من العلاقات الاجتماعية في اغلب الأحيان. هذه الأدوار غير الفعالة لاتجاهات العمل الخيري التقليدية في حياة غالبية البشر، هي التي حدت بالعديد من الناس إلى الإيمان بان الشركات الكبيرة يمكن أن تمثل قوة خير أيضا إذا وجهت لخدمة الفقراء وفق آلية جديدة. للاستدلال على ذلك، فان العديد من الشركات الكبرى بدأت في تضمين خطط أعمالها جوانب تعود بالخير على المجتمع وبالربح على الشركة. مثلا، شركة وول مارت العملاقة في أميركا، ترى أن مجال الحفاظ على البيئة فرصة مربحة لها من خلال التوفير في مواد التعبئة التي تضر بالبيئة أحيانا كثيرة من ناحية، كما أن توفيرها يساعد في خفض النفقات بالنسبة للشركة من ناحية أخرى.

يري الملياردير الهندي عظيم بريمجي المسجل رقم 18 في قائمة أثرى اثريا العالم لعام 2008م، بثروة تقدر بحوالي 12,7 مليار دولار، وصاحب مؤسسة عظيم الخيرية التي تهتم بتعليم الفقراء، أن أي طفل متعلم هو مهم من اجل الديمقراطية وان الانفجار السكاني الذي تعاني منه الهند يمكن كبحه عن طريق أي فتاة تصل في تعليمها إلى المستوى الخامس أو السادس من سلم التعليم. مثل هذه الفتاة، يمكن أن تعي أهمية الأسرة الصغيرة في المستقبل وان أي تعليم أساسي يزيد المعرفة بالصحة الأولية، مما يخفف من نفقات العناية الصحية مستقبلا وبالتالي يخفف من الضغوط الاقتصادية على الأسر. بالنسبة إلى بريمجي فان ازدهار أعماله قد يرتبط بالديمقراطية والصحة في الحدود الدنيا وربما بالشهرة أيضا.

مثلما كانت العولمة احد القوى المحركة للحقبة الرأسمالية الذهبية التي عاشها العالم منذ الثورة الصناعية وحتى الان، فان فكرة انضمام الاثرياء بجدية إلى العمل الخيري قد بدأت تنتظم العالم أيضا. في عام 2007م أعلن ثالث اغني رجل في العالم، وهو المكسيكي كارلوس سليم الحلو انه سوف يمنح عشرة مليار دولار أمريكي من ثروته لمؤسسته الخيرية. حتى نجوم الغناء أمثال مغنية البوب الكولومبية شاكيرا ونجمة التلفزيون المليارديرة الأمريكية أوبرا وينفري انضموا لرسملة العمل الخيري، حيث تعمل أوبرا كشريكة في مؤسسة بيل غيتس الخيرية. قد يتساءل الناس ما الذي تفقهه نجمة البوب عن الفقراء في أفريقيا؟ والإجابة هي أن نجوم المجتمع هم جزء مكمل من الرأسمالية لمقدرتهم على التأثير في "سوق" الجماهير، خصوصا في المواضيع التي تتعلق بتحريك الرأي العام. لذا، فالعمل الخيري لا يلغي دور احد مهما كان صغيرا.

من النواحي الأخرى، فان كان الهدف هو مساعدة الناس، فان الرأسمالية الخيرية تملك القابلية والمرونة اللازمتين للقيام بذلك. فهي تملك القدرة على القيام بأعمال أساسية أفضل من غيرها. حيث يمكنها المخاطرة بتنفيذ أفكار تعجز حتى الحكومات عن القيام بها. كما أن لها القدرة على تحريك المصادر بسرعة اكبر حين الاحتياج لذلك، فهي ليست مطالبة برفع سقف الأرباح كما في شركات المساهمة التقليدية.

.
__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
الذي يعرفني ، أعرفــــــه، والذي أعرفــــــه يعــــــــــــــرفني والذي يطرقني لست مسؤلا عنـــــــه
قلت لشجرة اللوز: حدثيني عن الله يا أخت؟! فأزهرت شجرة اللوز
sentimental is offline               Reply With Quote               
Sponsored Links
Old 05-Mar-10, 13:24   #2
sentimental
Golden Member
 
sentimental's Avatar
 

Join Date: Jun 2002
Location: TORA BORA
Posts: 5,397
Send a message via ICQ to sentimental Send a message via AIM to sentimental Send a message via Skype™ to sentimental
Post


تاريخ الرأسمالية الخلاقة:

في بدايات الثورة الصناعية كتب رجل الأعمال اندرو كارنج " إن مشكلة عصرنا هي الإدارة الرشيدة للثروة والتي يبدو أن روابط الإخوة بين الفقراء والأغنياء لا زالت تساعد على انسجام عراها". أما في القرن الواحد والعشرين، فيبدو أن هذه الشقة بين الفقراء والأغنياء قد كبرت، وان الأوان إلى إيجاد هذه الإدارة الرشيدة للثروة. وهذا ما يقوم به الرأسماليون الخيريون من محاولة لإيجاد طرق بديلة لإشراك الفقراء في العمل. يعتقد كارنج أن أفضل طريقة لإدارة الثروة هي منحها خلال حياة صاحبها لا توريثها لعواقبها الوخيمة على الوراثين. كما يرى أن منحها للدولة، يعني عدم معرفة الموهبة التي تمتع بها صاحبها في جمعها للصالح العام. أيضا، يرى عدم العدالة في امتلاك الثروة بسبب النمو الاقتصادي المطرد والذي يجعلها في جانب واحد لذوي الحظوة بينما يترك الأغلبية في الجانب الآخر. وان الذي يجب أن يقوم به الرأسماليون الخيريون الآن هو مساعدة الناس بمنحهم المال مع الخبرة التي اكتسبوها لمساعدة أنفسهم، وبذلك يعتبر أصحاب الثروات مجرد أوصياء عليها في ادارتها لأجل الصالح العام.

روح الرأسمالية الخيرية:

بحسب رؤية بيل غيتس، فان قيمة الانسان في أفريقيا يجب أن تكون مثل نظيرتها في الولايات المتحدة. وان لأي شخص على كوكب الأرض الحق في الحصول على الصحة الأساسية، وان الفرصة واتته "غيتس" الآن لاستخدام ثروته الطائلة لتصحيح هذا الظلم.

من هنا تنبع روح الرأسمالية الخيرية في إيمانها بقدرتها على معاجلة مشاكل المجتمع الكبيرة والمزمنة، وان عليها القيام بذلك. وحيث يمتلك هولا الخيرون الجدد جميع عوامل النجاح. فهناك مشكلة تحتاج لمعالجة، ولديهم المصادر المالية، والخبرات العملية لحل هذه المشكلة. لكن، ربما كان السؤال الأقرب إلى الذهن هو: هل ما يقومون به هو لأجل الإنسانية، وهل من المهم ذلك؟.

أظهرت دراسة قام بها مجموعة من الباحثين في عام 1990م في عينة من 99 متبرعا من نيويورك، أن المتبرعين ينظرون للتبرع كالتزام مدفوع بعوامل التدين. ولكن حتى ولو لم يكن مدفوعا بالغايات الدينية، فألاهم هو قدرته على معالجة مشاكل المجتمع. فالعمل الخيري يجب أن لا يقتصر في مضمونه برجاء ثواب الآخرة فقط، ونسيان غاياته الأخرى وهي منفعة الإنسانية. وفي ذلك تقول الكاتبة السعودية إيمان القويفلي في جريدة الوطن الصادرة بتاريخ 30 ابريل 2009م إن "ثقافتنا السائدة نجحت فعلا وبشكل ما في فصل مفهوم "الخير" عن غايته الدنيوية، وفي تكريس مفهوم لفعل الخير مفرغ من الخيرية". إذن، خير الآخرة وخير الدنيا مفهومان لا ينفصلان في ثقافتنا الإسلامية إذا عرفنا كيف نقوم بالأعمال الخيرية بالطريقة الصحيحة. وفي أمثلة الأعمال الخيرية الناقصة تقول القويفلي" هذا البذل المالي الكبير دون تدقيق في طريقة توظيفه وإنفاقه، لان الثواب الإلهي متحقق بمجرد البذل، وكذا البذل المالي دون التطوع بالجهد الشخصي، حتى عندما تكون حاجة الواقع إلى العمل لا إلى المال، وبناء المزيد من المساجد في مكان يحتاج إلى مدرسة أو مشفى ... المهم أن الأجر متحقق بمجرد الفعل وبمعزل عن فائدته العملية في الحياة وللآخرين". من هذا نستشف أن العمل الخيري يظل ناقصا ما لم تكون غايته الدنيوية أيضا متحققة، فلا فائدة من مال لا يرفع الفقر عن فقير، ولا جهد شخصي يعلم الآخرين مساعدة أنفسهم. لذا وجب أن تتوفر آلية محددة تؤكد أن أموال المتبرعين وجهودهم تذهب إلى غايتها في تحقيق اكبر قدر من التغيير نحو الأفضل.

الشفافية:

في الولايات المتحدة الأمريكية مثلا، صارت المعلومات متاحة على موقع “Charity "Navigator، حيث يوفر الموقع معلومات عن حجم الإنفاق على الجوانب الإدارية لهذه المنظمات. لكن لا توجد معلومات أكيدة عن حجم الإنفاق أو الفائدة التي يجنيها المستهدفون بهذه المنظمات. لمعالجة الأمر، بادر كل من هولدن كارنوفسكي وإيلي هاسنفيلد الموظفين في احد الشركات الأمريكية، بإنشاء منظمة في عام 2006م أطلقا عليه اسم "”Givewell، هدفها هو مساعدة المتبرعين الحصول على معلومات عن أكثر المنظمات فاعلية في مساعدة الناس. والتأكد من أن تبرعاتهم تذهب إلى مبتغاها، وذلك من خلال التقارير التي تعدها الهيئة التابعة لها والمسماة "”The Clear Fund. وفي التقرير الأول للمنظمة والمنشور على موقعها www.givewell.net توجت منظمة "”Population Services International الأولى من حيث الكفاءة في مساعدة الناس في أفريقيا، تلتها منظمة “Partners in Health”. إن التقييم الذي تمنحه هذه المنظمة التي أنشئت بغرض تشجيع الشفافية في العمل الخيري، يشجع بدوره الناس على التبرع للمنظمات الأكثر كفاءة في خدمة الفقراء. وفي النهاية تتحقق الغاية المنشودة بطريقة أفضل. وما ينطبق على المنظمات التقليدية هنا، ينطبق أيضا إلى المؤسسات التجارية التي تتضمن خططها أعمالا خيرية.

هذا النموذج الذي تقدمه منظمة Givewell يساعد المانحين في معرفة أفضل المنظمات التي يمكن أن يعهدوا إليها بأموالهم. كما يساعد المنظمات الخيرية على إبداء قدر اكبر من الشفافية تجاه هولا المانحين وتجاه الغايات الجيدة التي قامت من اجلها هذه المنظمات في الأساس. كما أن استخدام تكنولوجيا المعلومات لتوفير هذه الخدمة، تعد مثالا بسيطا لما يمكن أن يكون عليه عمل الخير. فليس الأثرياء فقط هم المنوط بهم القيام بكل الأعمال، حيث أن هناك الكثير من الوسائل البسيطة التي يمكن أن يوظفها كل فرد منا بحسب مقدراته ومهاراته لخدمة البشرية. أن عصرنا الحالي لما يتميز به من سهولة نقل وتخزين المعلومات عبر شبكة الانترنت، يؤكد على الحاجة إلى شباب عربي قادر على تطويع هذه التكنولوجيا لخدمة الأهداف الإنسانية الراقية، خصوصا في ظل وجود الدافع الديني لدى مجتمعاتنا العربية. هذا الشباب يمكنه أن يحدث الكثير من التغيير على وجه العمل التطوعي العربي نحو الأفضل.

دور المنظمات الخيرية العربية:

في دراسة غير منشورة، قدر الإنفاق الخيري في دول الخليج، كما أوردت الأستاذة إيمان القويفلي، بمبلغ يتراوح ما بين 15 – 20 مليار دولار أمريكي سنويا. هذا الكم الهائل من الأموال إذا تمت إدارته بالطريقة الصحيحة قادر على جعل العالم مكانا أفضل للبشر. لكن يبدو أن ما ينقصنا هو المعرفة بثقافة العمل الخيري والتطوعي، وضعف الانفتاح على التجارب الجديدة. على الرغم من أن ديننا الحنيف قد حثنا على ذلك في أكثر من موضوع في القران الكريم: "فأستبقوا الخيرات ..." المائدة: الآية 47، ومن السنة المطهرة: "خير الناس انفعهم للناس". المطلوب منا أن نضع جنبا إلى جنب الرغبة في الثواب عند الله تعالى، إلى الرغبة في مساعدة الإنسانية في الدنيا التي استخلفنا فيها. والإيمان بان الغرض من العمل التطوعي حثنا عليه الإسلام أصلا لمساعدة الناس في الدنيا مع رجاء ثواب الآخرة. إن العبرة ليست في منح الأموال دون معرفة طريقة صرفها في حل مشاكل المجتمع، ولكن في معرفة كيفية حل المشكل القائم من خلال المشاركة الفعالة بالمعرفة والرأي والعمل. من هنا تنبع أهمية وجود "رأسمالية خيرية إسلامية" تتعامل مع مشاكل المجتمع بواقعية اكبر وعلمية تنبع من الممارسات الاقتصادية الإسلامية. تلك الرأسمالية التي تساهم في التطور التنموي والمعرفي للجماهير، وفي خدمة اكبر عدد ممكن من الناس المحرومين وتحويلهم إلى منتجين بدلا عن متلقين.

نحو رأسمالية خيرية إسلامية:

العالم الإسلامي ليس بمنأى عن بقية العالم. فما يحدث في الغرب نتأثر به بطريقة أو بأخرى. خصوصا مع سهولة انتقال الأفكار في عصر المعلومات، وهذا في حد ذاته يمكن أن يطلق عليه "العولمة الفكرية". بالنظر إلى واقعنا الخيري الإسلامي المتأرجح ما بين المسؤوليات الهائلة التي يضطلع بها، وثقافة طوعية ضعيفة نوعا ما، فان من أفضل السبل الدخول في شراكات مفيدة مع رؤوس الأموال وتدويرها في مشاريع خيرية تعود بالنفع لكل الأطراف. مستخدمين في ذلك أفضل ما وفرته التكنولوجيا الحديثة من وسائل لإدارة العمل التطوعي بفعالية اكبر.
كذلك تزداد الحاجة إلى كوادر إدارية فعالة لنقل العمل التطوعي إلى مستويات أكثر انضباطا وذلك بإخضاعه لقوانين الأعمال التجارية بغض النظر عن مفهوم الربح والخسارة. هكذا يستطيع العمل التطوعي الإسلامي الخروج من مأزقه الحالي ليصبح أكثر فاعلية وأكثر جدوى لخدمة البشرية. وهذا لا يتعارض إطلاقا مع نظرية العمل التطوعي، بل يقوم بتعزيزها وضبطها والاستفادة من أموال المتبرعين لأقصي درجة ممكنة. ومع ذلك، فلا بد من المحافظة على الأهداف السامية للعمل الخيري والتطوعي بعدم الانزلاق به إلى فكرة حب الظهور والشهرة أو استغلال الفقراء. بل يجب تمكين دولته عبر تحبيب الناس به وخصوصا الشباب من خلال برامج مدروسة في إطار المنفعة الإنسانية. من الأفضل تمليك الفقير ما يدفع به الفقر عن نفسه ويكون منتجا، وليس مساعدته على الفقر عبر تقديم الهبات في كل مرة. ومن التجارب الإسلامية الرائدة في هذا المجال، هي تجربة الدكتور يونس خاتون في بنغلاديش، أرى أنه من المفيد الاطلاع علي معالمها.

بنك القرية:

"إن المجتمع شحيح جدا ولا يترك للفقير فسحة حتى ينمو نموا طبيعيا ...فهو "الفقير" يملك كل الطاقة وروح الإبداع اللازمة ...فقط لأننا لم نسمح له بتفجيرها واستخدامها". قالها الدكتور محمد يونس خاتون الحائز على جائزة نوبل للسلام مناصفة من بنك غرامين "بنك القرية" الذي أنشاه لمساعدة فقراء بنغلاديش. ولد الدكتور يونس في عام 1940م في مدينة شيتاجونج Chittagong المركز التجاري لمنطقة البنغال الشرقي في ذلك الوقت. بعد إكماله دراسة الدكتوراه من جامعة فاندربيلت Vanderbilt الأمريكية وعودته إلى بلاده في عام 1972م ، أصبح رئيسا لقسم الاقتصاد في جامعة شيتاجونج إبان سنوات المجاعة التي عصفت ببنغلاديش عقب انفصالها من باكستان. بعد عامين من التفكير المتواصل عن كيفية مساعدة فقراء بلاده، قرر يونس ترك عمله بالجامعة ثم اقترض مبلغا صغيرا من البنك ليقرضه بدوره لبعض الفقراء. وبعد سنوات نجح الأمر نجاحا باهرا بخروج 500 أسرة من دائرة الفقر. ثم تبني البنك المركزي فكرة إنشاء بنك القرية للقروض الصغيرة. تتلخص فكرة البنك في تقديم قروض صغيرة للفقراء لا تتجاوز مائتي دولار أمريكي يبدأ بها الفقير عملا لكسب قوته وقوت أهله. هذه القروض ميسرة الدفع وبلا فوائد أو ضمانات. والآن هناك آلاف الأسر البنغلادشية التي خرجت من تحت خط الفقر بسبب هذه الفكرة البسيطة على يد رجل لم يكن يملك إلا الفكرة والإيمان بها.

انك حين تقرأ قصة الدكتور يونس وهو يسرد ملامح مسيرته مع نظامه وكيفية ابتداعه في إيجاد الحلول الواقعية لمعاناة شعبه، فانك تجد في كل هذا حكمة ودرسا تستفيد منه وتستخلصه، بعيدا عن استنساخ الأفكار. وهذا ما أكد عليه الدكتور يونس نفسه حين استدعي لزيارة عدد من الدول العربية لغرض نقل تجربته، فكان من بين أهم نصائحه " ابدأ بسيطا، صغيرا حتى تتعلم وأنت تكبر وحتى يسهل عليك وضع نظام وشروط عملك الخاصة دون التقيد بقوانين البنوك المعقدة في بلدك".

مثل هذا المشروع يمكن استلهام فكرته وتطبيقها في عالمنا العربي كجزء من النشاط الخيري بعد إدخال التعديلات التي تناسب أوضاع مجتمعاتنا. وعوامل نجاحه كثيرة منها توفر صيغ التمويل الإسلامي. هذه الصيغ التي كشفت الأزمة المالية الراهنة قدرتها على تقديم حلول لمشاكل التمويل والائتمان العالمية.

إن كان بيل غيتس هو أول من أطلق الدعوة إلى رأسمالية خلاقة، فيمكن القول انه هو كذلك الذي أرسى قواعدها من خلال نشر وسائل المعرفة التكنولوجية الحديثة عبر العالم على الرغم من أثرها في زيادة الهوة بين الفقراء والأغنياء. لتجسير تلك الهوة جاءت الدعوة إلى حقبة رأسمالية جديدة تخدم الطرفين من خلال خدمة المبدأين المتصارعين في النفس الإنسانية وهما المصلحة الشخصية والاهتمام بالآخرين. ومن هنا فان الرأسمالية الخلاقة نظام يخدم المصلحة الشخصية مع الاهتمام بالآخرين في نفس الوقت عبر دوافع الربح والإشادة بالجهود. هذا النظام لا يتحقق بالطريقة التقليدية التي تفصل الدوافع البشرية عن بعضها البعض وبالتالي لا يتحقق الغرض من كليهما في الوصول خدمة البشرية. والصيغة التي يمكن أن نطرحها نحن في المقابل هي صيغة الرأسمالية الخيرية الإسلامية التي تجمع بين حق الغني وحق الفقير في الاستفادة من الثروة.
__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
الذي يعرفني ، أعرفــــــه، والذي أعرفــــــه يعــــــــــــــرفني والذي يطرقني لست مسؤلا عنـــــــه
قلت لشجرة اللوز: حدثيني عن الله يا أخت؟! فأزهرت شجرة اللوز
sentimental is offline               Reply With Quote               
Old 22-Jan-16, 05:06   #3
Amincom
Beginner Contributor
 

Join Date: Jan 2016
Posts: 15
Default

إن كان بيل غيتس هو أول من أطلق الدعوة إلى رأسمالية خلاقة
Amincom is offline               Reply With Quote               
Old 22-Jan-16, 05:07   #4
Amincom
Beginner Contributor
 

Join Date: Jan 2016
Posts: 15
Default

فيمكن القول انه هو كذلك الذي أرسى قواعدها من خلال نشر وسائل المعرفة التكنولوجية الحديثة عبر العالم
Amincom is offline               Reply With Quote               
Old 22-Jan-16, 05:08   #5
Amincom
Beginner Contributor
 

Join Date: Jan 2016
Posts: 15
Default

على الرغم من أثرها في زيادة الهوة بين الفقراء والأغنياء
Amincom is offline               Reply With Quote               
Old 22-Jan-16, 05:10   #6
Amincom
Beginner Contributor
 

Join Date: Jan 2016
Posts: 15
Default

لتجسير تلك الهوة جاءت الدعوة إلى حقبة رأسمالية جديدة تخدم الطرفين من خلال خدمة المبدأين المتصارعين في النفس الإنسانية وهما المصلحة الشخصية والاهتمام بالآخرين
Amincom is offline               Reply With Quote               
Old 22-Jan-16, 05:11   #7
Amincom
Beginner Contributor
 

Join Date: Jan 2016
Posts: 15
Default

ومن هنا فان الرأسمالية الخلاقة نظام يخدم المصلحة الشخصية مع الاهتمام بالآخرين في نفس الوقت عبر دوافع الربح والإشادة بالجهود
Amincom is offline               Reply With Quote               
Old 22-Jan-16, 05:12   #8
Amincom
Beginner Contributor
 

Join Date: Jan 2016
Posts: 15
Default

هذا النظام لا يتحقق بالطريقة التقليدية التي تفصل الدوافع البشرية عن بعضها البعض وبالتالي لا يتحقق الغرض من كليهما في الوصول خدمة البشرية
Amincom is offline               Reply With Quote               
Old 22-Jan-16, 05:14   #9
Amincom
Beginner Contributor
 

Join Date: Jan 2016
Posts: 15
Default

والصيغة التي يمكن أن نطرحها نحن في المقابل هي صيغة الرأسمالية الخيرية الإسلامية التي تجمع بين حق الغني وحق الفقير في الاستفادة من الثروة
Amincom is offline               Reply With Quote               
Old 22-Jan-16, 05:15   #10
Amincom
Beginner Contributor
 

Join Date: Jan 2016
Posts: 15
Thumbs up











Amincom is offline               Reply With Quote               
Reply

Bookmarks

Thread Tools
Display Modes

Posting Rules
You may not post new threads
You may not post replies
You may not post attachments
You may not edit your posts

BB code is On
Smilies are On
[IMG] code is On
HTML code is Off

Forum Jump

بحث مخصص

All times are GMT. The time now is 01:30.


Sudan.Net © 2014